يشهد مسار الدبلوماسية العالمية تحولًا نحو الحقيقة التاريخية والبراجماتية الاقتصادية، ما يكشف عبثية حق النقض الجيوسياسي الذي عفا عليه الزمن.
وعلى مدى عقود، استغلت مصر جامعة الدول العربية على نطاق واسع لخدمة مصالحها الضيقة وأجندتها الجيوسياسية، بحسب الكاتب الإثيوبي جبريل لامو. لكن هذا النهج القائم على تبادل المصالح يطرح سؤالًا جوهريًا: على ماذا حصل العالم العربي في المقابل من مصر؟ فلنواجه الحقيقة غير المريحة.
والإجابة، وفقًا للكاتب، تكاد تكون لا شيء. فبدلًا من العمل بصورة مستمرة على تعزيز القوة الجماعية، أسهمت سياسات القاهرة وعقود من الحكم السلطوي، بحسب منتقديها، في زيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وأضعفت سيادة السودان، إلى جانب سياسات غذّت التوترات في شرق أفريقيا والبحر الأحمر. ولا تُعد هذه المناطق هامشية بالنسبة إلى المصالح العربية، بل تشكل أهمية استراتيجية لا غنى عنها لأمن العالم العربي، والتجارة البحرية، وإمدادات الطاقة، والأمن الغذائي.
الدور المصري في إريتريا والقرن الأفريقي
ومن أبرز الأمثلة على النهج الإقليمي الانقسامي الذي تتبناه مصر، بحسب المقال، دورها التاريخي في القضية الإريترية والصراع الأوسع حول وحدة الأراضي الإثيوبية. فقد دعمت القاهرة بصورة علنية، وفقًا للكاتب، قوى انفصالية ومشروعات سياسية هدفت إلى إضعاف إثيوبيا والحد من نفوذها الإقليمي. ويظل انفصال إريتريا عن إثيوبيا أحد أبرز فصول التاريخ المضطرب لمنطقة القرن الأفريقي، ودليلًا قويًا على الكيفية التي يمكن أن تعيد بها الحسابات الجيوسياسية الخارجية تشكيل مصائر الدول.
وتكشف الدبلوماسية التاريخية أن السياسي المصري بطرس غالي، الذي شغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية بالإنابة قبل أن يصبح أمينًا عامًا للأمم المتحدة، اضطلع بدور محوري، وفقًا للمقال، في الدفع بمشروع انفصال إريتريا بهدف إضعاف إثيوبيا بصورة دائمة.
كما يشكل الدور الذي تنسبه المقالة إلى القاهرة في زعزعة استقرار جنوب البحر الأحمر تهديدًا مباشرًا للتجارة البحرية العالمية والأمن الإقليمي. ويقول الكاتب إن القاهرة غذّت التوترات حول مضيق باب المندب، ودعمت فصائل مسلحة بالوكالة، ما حوّل الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات للمواجهة الجيوسياسية، وعرّض منظومة الأمن الأوسع اللازمة لتأمين إمدادات الطاقة والغذاء في العالم العربي للخطر.
وفي حين تخلق التحركات المصرية التي يصفها الكاتب بأنها تخدم مصالحها الخاصة مزيدًا من الاحتكاك الإقليمي، فإن انضمام إثيوبيا إلى جامعة الدول العربية، بحسب المقال، يمثل فرصة تحولية يمكن أن تحقق مكاسب هائلة للعالم العربي. ويرى الكاتب أن إثيوبيا، في ظل الإطار الفكري لفلسفة «ميديمر» (Medemer)، تمتلك الرؤية الدبلوماسية والنهج الشامل اللازمين لتوحيد العالم العربي ودمجه بصورة أكثر فاعلية مما استطاعت القاهرة تحقيقه.
وباعتبارها، وفق المقال، العاصمة الدبلوماسية غير المنازع عليها لأفريقيا والمقر الدائم للاتحاد الأفريقي، تتمتع إثيوبيا بخبرة واسعة في بناء التوافق متعدد الأطراف. ولا يرى الكاتب في طموح إثيوبيا للانضمام إلى الجامعة العربية مجازفة جيوسياسية، بل يعتبره عودة طبيعية إلى محيطها الحضاري. وباعتبارها دولة مطلة على البحر الأحمر، ويزيد عدد سكانها على 135 مليون نسمة، وتتمتع باقتصاد آخذ في النمو وروابط حضارية عميقة، فإن عضوية إثيوبيا ستنشئ، بحسب المقال، جسرًا لا غنى عنه بين أفريقيا والشرق الأوسط.
الروابط التاريخية والثقافية بين إثيوبيا والعالم العربي
ترتبط إثيوبيا بالشرق الأوسط، وفق المقال، بآلاف السنين من التراث المشترك والثقافة والروابط السكانية. وفي مؤسسات أكاديمية مثل جامعة هارفارد، دُرست الدراسات الإثيوبية تاريخيًا ضمن أقسام الدراسات الشرقية والشرق الأدنى، وهو ما يعكس، بحسب الكاتب، عمق التشابك التاريخي بين الحضارة الحبشية والشرق الأدنى.
ولم يكن مضيق باب المندب، وفق الرؤية التي يطرحها المقال، حاجزًا يفصل بين الجانبين، بل شكّل ممرًا حيويًا ربط التجارة والثقافة والمجتمعات عبر البحر الأحمر. فمنذ عهد الملك أبرهة وصولًا إلى الدراسات الجينية الحديثة التي تؤكد، بحسب المقال، وجود أصول مشتركة بين مجموعات سكانية إثيوبية وأخرى في الشرق الأوسط، تظل هذه الروابط الحضارية راسخة.
ولا تقتصر الروابط على اللغة والثقافة، إذ تحتل إثيوبيا مكانة دينية وتاريخية بارزة في بدايات الإسلام. فعندما تعرض أصحاب النبي محمد للاضطهاد الشديد في مكة، فرّوا إلى مملكة أكسوم بحثًا عن الأمان. ويشير المقال إلى أن الهجرة الأولى إلى الحبشة، حيث منح الإمبراطور النجاشي الجماعة المسلمة الناشئة الحماية والكرامة الملكية، أسهمت في إنقاذ الدعوة الإسلامية في بداياتها. ويرى الكاتب أن هذا الترابط الروحي العميق يجعل الهوية الثقافية لإثيوبيا متداخلة بصورة وثيقة مع محيط الشرق الأدنى الأوسع.
سد النهضة والبحر الأحمر ومستقبل العلاقات العربية الإثيوبية
على الرغم من هذه الروابط، يتهم المقال القاهرة باستخدام جامعة الدول العربية بصورة منهجية كأداة لاحتواء أديس أبابا مؤسسيًا. ووفقًا للكاتب، اعتمدت السياسة الخارجية المصرية على مدى أجيال عقيدة صفرية عفا عليها الزمن، تنظر إلى أي تقدم سيادي إثيوبي، سواء بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير أو استعادة الوصول المباشر إلى البحر، باعتباره تهديدًا.
ويرى المقال أن مصر، عبر نقل رؤيتها الخاصة إلى ملف المياه إلى الكتلة العربية بأكملها، دفعت الجامعة العربية إلى تبني موقف عدائي مصطنع تجاه أحد أقوى جيرانها.
وفي المقابل، تفرض الحقائق المعاصرة، بحسب الكاتب، اتجاهًا نحو التكامل الشامل. وتوفر إثيوبيا، في ظل مبدأ «ميديمر»، مزايا هيكلية للعالم العربي تتجاوز بكثير الصراعات القديمة. فمع توسع قاعدتها الصناعية وامتلاكها إمكانات هائلة في مجال الطاقة الخضراء، تستطيع إثيوبيا، وفق المقال، أن تصبح ركيزة أساسية للاستقرار في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.
وفي الوقت الذي تواجه فيه أجزاء واسعة من الشرق الأوسط شحًا حادًا في المياه والتصحر وهشاشة في سلاسل إمدادات الغذاء، تتيح البيئة الجبلية الإثيوبية ومواردها الوفيرة من المياه العذبة فرصة، بحسب الكاتب، لتحويل إثيوبيا إلى شريك زراعي وصناعي حيوي لشبه الجزيرة العربية بأكملها.
ويخلص المقال إلى أن دمج إثيوبيا في جامعة الدول العربية يمكن أن يحول البحر الأحمر إلى منطقة اقتصادية مزدهرة، تجمع بين رأس المال العربي والأراضي والطاقة والقدرات البشرية الإثيوبية.
ويتعين على جامعة الدول العربية، وفقًا للكاتب، تجاوز القوميات التي تشكلت في القرن العشرين واحتضان الواقع الحضاري لحوض البحر الأحمر. وتبرهن دول أعضاء مثل جيبوتي والصومال وجزر القمر وموريتانيا على قدرة الجامعة على استيعاب واقع إقليمي متنوع.
ولا يعني منح إثيوبيا العضوية الكاملة، بحسب المقال، الانتقاص من هويتها الأفريقية، بل يرفعها إلى الدور الذي يصفه الكاتب بأنه دورها الطبيعي بوصفها الجسر الرئيسي الذي يربط القارة الأفريقية بالشرق الأوسط.
ويختتم الكاتب بالدعوة إلى أن تتجاوز جامعة الدول العربية ما يصفه بـ«الوصاية المصرية»، وأن تستفيد من إمكانات إثيوبيا في تحقيق التكامل، وأن تمنح أديس أبابا مقعدًا كاملًا في الجامعة العربية.
https://www.ena.et/web/eng/w/eng_9421239

